ثقافة وفنون

ورقة علمية… “الديموغرافيا الجمعوية بالمغرب”

 

من إنجاز: د. فوزي بوخريص

 

إن المتتبع للديموغرفيا الجمعوية بالمغرب، سيتفاجأ بتضارب الأرقام  المعلن عنها بخصوص العدد الاجمالي للجمعيات بالبلاد، و تغيرها المتسارع من سنة لأخرى و من ولاية حكومية لأخرى. آخر رقم معلن عنه بخصوص الديموغرفيا الجمعوية ، هو الرقم الذي  قدمه  الوزير مصطفى بايتاس، بصفته وزيرا منتدبا مكلفا بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، وذلك  في معرض حديثه عن التدابير[1] التي تعتزم وزارته القيام بها لفائدة جمعيات المجتمع المدني. حيث أشار الوزير إلى  أن عدد الجمعيات بالمغرب تجاوز 200 ألف جمعية. وسبق للوزير مصطفى الرميد في حكومة العثماني أن أعلن عن رقم مماثل ، عندما أشار سنة 2020 إلى أن عدد الجمعيات المسجلة قانونيا بالمغرب،  تجاوز 200.000 جمعية. هذا في حين أن  الوزير مصطفى الخلفي  في حكومة بن كيران ، سبق و ذكر بأن عدد الجمعيات المسجلة قانونيا بالمغرب يبلغ 160.000 جمعية…

لا شك أن هذا التضارب في الأرقام، هو مؤشر على خلل في السياسة الرسمية تجاه الجمعيات، بالنظر إلى أن أي سياسة أو تخطيط يهم الجمعيات، ينبغي أن يستند إلى أرقام واحصاءات مضبوطة. غير أن المتتبع للشأن الجمعوي ببلادنا، يصطدم بحقيقة شح المعطيات الإحصائية حول الجمعيات ومحدوديتها، و التكتم عليها و في حالة توفرها ، يلاحظ غياب أي تحديث منتظم لها.

فكم هو العدد الحقيقي للجمعيات بالمغرب ؟ ولماذا هذا التضارب في الأرقام ؟ وأي دلالات للديموغرافيا الجمعوية ببلادنا ؟

نحو ديموغرافيا للجمعيات بالمغرب :

على غرار  الديموغرافيا، كعلم  يدرس السكان، انطلاقا من متغير العدد والمدة، وكعلم   يتناول بنية السكان ستاتيكيا وديناميا، من خلال  البحث في توزعهم حسب السن ، والجنس، والحالة العائلية، والنشاط المهني، وقياس الخصوبة ، ومعدلات الوفيات والولادات، علاوة على  التنبؤ ، إلى حد ما،  بآفاق تطور السكان في المستقبل[2]،  يقصد بالديموغرافيا الجمعوية  démographie associative، كما عرفها الباحث لويس ديرن   louis  Dirn ، دراسة الجمعيات ستاتيكيا وديناميكيا من خلال رصد تزايد عدد الجمعيات عبر الزمن ، ومن خلال تتبع حركية تأسيس الجمعيات و اختفائها، ودراسة توزع الجمعيات جغرافيا بين الجهات، وبين المدينة والقرية، وتوزعهم بين مجالات الاهتمام.

هناك ثلاث جهات رسمية بالمغرب هي على اطلاع، من الناحية المبدئية، على ديموغرافيا الجمعيات،  وفقا لما ينص عليه قانون الجمعيات[3] ، هي كالتالي :

  • وزارة الداخلية، على اعتبار أن كل جمعية مطالبة بتقديم تصريح إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية، والذي  يتضمن كل المعطيات الخاصة بالجمعية (اسمها وأهدافها، لائحة تتضمن كل المعلومات الخاصة بإعضاء المكتب المسير، صور من بطائقهم الوطنية ونسخ من سجلاتهم العدلية الخ) ، إضافة إلى القوانين الأساسية للجمعية.
  • وزارة العدل، بحكم أن السلطة الإدارية المحلية توجه نسخة من التصريح ونسخة من الوثائق المرفقة به إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة، وذلك قصد تمكينها من إبداء رأيها في الطلب عند الاقتضاء.
  • الأمانة العامة للحكومة، التي توجه إليها كذلك السلطة الإدارية المحلية نسخة من وثائق تأسيس الجمعية.

هذا علاوة على بعض الجهات الرسمية الأخرى، التي يرتبط  مجال تدخلها بعمل الجمعيات ، والتي تعمل على مستوى برامجها وسياساتها على دعم، وتشجيع ورعاية عمل الجمعيات،  مثل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والاسرة(وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن سابقا) ، التي كانت وما تزال إلى حد ما من  الوزارات الوثيقة الارتباط بالحقل الجمعوي، إضافة إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات…الخ.

ومقارنة مع ما هو معمول به في بعض المجتمعات الأخرى، فهناك صعوبة كبيرة ببلادنا للولوج إلى المعطيات الإحصائية الخاصة بالجمعيات، مما يحول دون رسم صورة واضحة عن الديموغرافيا الجمعوية، على الرغم من الوعي المتزايد  بأهمية هذه المعطيات الإحصائية من أجل أي سياسة أو برنامج موجه للجمعيات، حيث أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره حول” وضع ودينامية الحياة الجمعوية” (2016)، توصية من أجل توفير قاعدة معطيات إحصائية وطنية حول الجمعيات تكون دقيقة ومبسطة ومحينة  ،  من خلال تعزيز النشر المنتظم، من طرف المندوبية السامية للتخطيط ووزارة الداخلية والأمانة العامة للحكومة، وأي هيئة عمومية أخرى معنية، للمعطيات التي تتعلق بالنسيج الجمعوي. بل أوصى المجلس كذلك بتشجيع إنجاز اعمال أكاديمية حول هذا النسيج[4]..

نحو مرئية أكثر للظاهرة الجمعوية بالمغرب

وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن المندوبية السامية للتخطيط  شرعت سنة 2007 في انجاز بحث حول الجمعيات. ويبدو لنا من خلال المعطيات المتضمنة في الموقع الالكتروني  الخاص بهذا الجهاز الإحصائي الرسمي[5]، أن المقاربة المعتمدة تتبنى مفهوم المؤسسات التي لا تستهدف الربح ISBL الوارد في دليل الأمم المتحدة.

ومعلوم أن العمل الجمعوي ظل لزمن طويل، موضوعا مهملا على مستوى البحث والقياس. و لم يشرع في دراسته  وقياس مدى مساهمته  في الناتج الداخلي الخام للدول، إلا في إطار برنامج يحمل اسم جون هوبكنز،  يقارن دوليا القطاع الذي لا يستهدف الربح، والذي  انطلق سنة 1990  بمبادرة من ليستير سالامونLester Salamon  و هلموث أنهير Helmut Anheier ، الأستاذين بمركز دراسات المجتمع المدني ، في جامعة جون هوبكنز في الولايات المتحدة. وقد أثمر هذا البرنامج الذي أنجز بتعاون مع قسم الإحصاء التابع للأمم المتحدة، وفريق دولي من الخبراء الإحصائيين[6] ، إصدار دليل أو موجز ، يحدد إطارا مفاهيميا  يجعل العمل الجمعوي التطوعي والمأجور  والأنشطة الخيرية أو الإنسانية، ظواهر مرئية .

ويحث الدليل المؤسسات الإحصائية الرسمية على اعتماد “حساب ملحق ”  خاص  بالمؤسسات التي لا تستهدف الربح” و إلى إدماجه في البرامج الدائمة لجمع وتحليل المعطيات الاقتصادية. هذه الحسابات ، ستعطي صورة عن القطاع الجمعوي  أكثر شمولية و أكثر وثوقية مما تم التوصل إليه حتى الآن، وستسمح بالتالي بأخذ العمل التطوعي بعين الاعتبار عند تقييم الثروة الاقتصادية المنتجة من طرف التنظيمات التي لا تستهدف الربح .

ويمثل اعتماد هذا الموجز ، تقدما غير مسبوق على مستوى جودة وكم المعلومات المتاحة حول الجمعيات، وحول العمل الجمعوي في كل البلدان التي انخرطت في البرنامج. فهو يزيد من مصداقية ومرئية التنظيمات التي لا تستهدف الربح، وذلك بإتاحة إمكانية تقييم موضوعي لمساهمتها في خلق الثروات،  وتتبع تطورها. ومن الأشياء المتضمنة في الحسابات الملحقة الخاصة بالمؤسسات التي لا تستهدف الربح، معطيات حول: عدد التنظيمات في كل فئة من هذه المؤسسات اللاربحية، وعدد الأجراء فيها وعدد المتطوعين، وقيمة مساهمات  العمل التطوعي، والأعباء والنفقات حسب الأبواب الكبرى، والموارد المتضمنة للهبات والدعم، والمساعدة الدولية…الخ.

وانطلاقا من ذلك ، يتضح أن البحث الذي أشرفت عليه المندوبية السامية للتخطيط يستهدف تتبع نشاط وسلوك المؤسسات التي لا تستهدف الربح تبعا لاختلاف مكوناتها، ومجالات عملها، وتوزيعها المجالي، بين جهات المملكة، كما يروم تناول نشاط هذه المؤسسات في توافق مع المخطط المحاسباتي الوطني ، عبر بلورة حساب ملحق للمؤسسات التي لا تستهدف الربح، يتيح جمع معلومات تحليلية مفصلة كفيلة بالكشف عن المساهمة الحقيقة للجمعيات في الاقتصاد الوطني، وإنجاز سجل تصنيفي للمؤسسات التي لا تستهدف الربح، إضافة إلى المقارنة مع تجارب دولية أخرى ، والتنسيق الدولي حول المعلومات المتعلقة بالمؤسسات التي لا تستهدف الربح، وكذا تحديد الاكراهات (البشرية، المالية، اللوجيستيكية وغيرها)التي تعاني منها المؤسسات التي لا تستهدف الربح.  ويشمل البحث علاوة على الجمعيات، المؤسسات و جمعيات القروض الصغرى، والنقابات ، والأحزاب السياسية والتعاضديات. وتتمحور الأسئلة المتضمنة في تقنيات البحث المعتمدة، حول الموضوعات التالية: خصائص التنظيم، شركائه، نفقاته وموارده ، والعمل المأجور، والعمل التطوعي ، ومستوى توظيف تكنولوجيات الإعلام والتواصل، والاكراهات البشرية والمالية واللوجستيكية التي تعيق سيره.

وعلى عكس ما هو معمول به لدينا، يجري في فرنسا على سبيل المقارنة، إحصاء منتظم  لعدد الجمعيات ،  وقانون الجمعيات الفرنسي  ، يسهل نسبيا ذلك، بحكم أنه ينص على ضرورة التصريح بالتأسيس الرسمي للجمعيات التي ترغب في الاستفادة من التمويل العمومي، في الجريدة الرسمية. وإن كان من الصعوبة أيضا معرفة عدد الجمعيات الفرنسية غير المصرح بها ، وعدد “الجمعيات الحية” associations vivantes ،لأنه لا يوجد أي إلزام قانوني يفرض التصريح بتوقف عمل الجمعية، مثلما هو الشأن بالنسبة لتأسيسها[7].

وتجدر الإشارة إلى أن الخصاص الإحصائي الذي يعاينه كل من يتناول الظاهرة الجمعوية ببلادنا، ليس مسألة مغربية صرفة، فهو يكاد يكون مشكلا عالميا، فكما توضح الباحثة سيبي ميرتين : Sybille Mertens بخصوص التجربة الفرنسية” إذا كانت المعرفة الإحصائية للتنظيمات التعاونية والتعاضدية تطورت كثيرا خلال السنوات الأخيرة، فالملاحظ أنه ما يزال هناك جهل إحصائي عميق فيما يخص الجمعيات[8]“.

إن مشكل إحصاء الجمعيات في فرنسا، وفي البلدان الأوربية عموما، راجع إلى كون عدد مهم من الجمعيات ليس له شخصية قانونية، ما دام أن القانون المنظم للجمعيات في الكثير من الأحيان (في فرنسا أو بلجيكا مثلا)، لا يلزم الجمعيات بالتصريح القانوني لدى السلطات، إلا في حالة ما إذا كانت تود تلقي إعانات ودعم عمومي. وما عدا ذلك فيمكن تأسيس الجمعية والاشتغال بدون تصريح قانوني. أما فيما يتعلق بالجمعيات المصرح بها قانونيا، فمسألة إحصائها  قد تبدو سهلة، بالاعتماد مثلا، بالنسبة لحالة بلجيكا، على سجل الأشخاص المعنويين الصادر عن وزارة الداخلية والوظيفة العمومية، أو بالاعتماد على ما ينشر في الجريدة الرسمية في حالة فرنسا. وإن كانت مشكلة هذا السجل أنه يعيد نشر لائحة الجمعيات القانونية، بما في ذلك تلك التي لم تعد تقوم بأي نشاط، ولكن لم تتوقف عن الوجود قانونيا، أي بأن تحل نفسها.

ويطرح هذا الخصاص المسجل على مستوى إدراك الظاهرة الجمعوية مشكلات مزدوجة، علمية وعملية. فهو من جهة يعوق تقدم البحث العلمي حول الواقعة الجمعوية، إذ يحول دون وضع بعض الفرضيات حول هذه الواقعة موضع إثبات إمبريقي. ومن جهة أخرى، يحرم أصحاب القرار من معطيات ثمينة ومفيدة من أجل تحليل وبلورة السياسات العمومية في المجال. فسواء على المستوى العلمي أو العملي، هناك شعور بالحاجة إلى معلومات إحصائية حول الظاهرة الجمعوية.

الديمغرافيا الجمعوية و  اتجاهات تحول المجتمع المغربي

وبغض النظر عن النقص المسجل على مستوى إنتاج المعطيات الإحصائية الخاصة بالجمعيات وتحيينها، يمكن القول إن التغيرات التي تطال الديموغرافيا الجمعوية عموما  ليست مسألة اعتباطية، بل هي مؤشرات مهمة على ما يحدث  في المجتمع، بل يمكن الذهاب إلى حد القول إن الديموغرافيا الجمعوية تعكس بأمانة اتجاهات تحول المجتمع، أو على الأقل بعضا منها [9].فكما بين أليكس دو طوكفيل فيما يخص حالة المجتمع الأمريكي، في القرن التاسع عشر، فإن تزايد عدد الجمعيات غير مفصول عن المنحى الديمقراطي للمجتمع، “فالبلد الأكثر ديمقراطية في الأرض، هو البلد الذي طور فيه الناس، في أيامنا هذه فن البحث بشكل جماعي عن موضوع رغباتهم المشتركة، والذي قاموا فيه بتطبيق هذا العلم الجديد (علم الجمعيات) على أكبر عدد ممكن من الموضوعات”[10].

وهكذا فالحيوية الكبيرة، التي ميزت الحقل الجمعوي ببلادنا، في العقود الأخيرة، والتزايد الكبير والمضطرد لعدد الجمعيات، هو تعبير عن توسع مجال المشاركة الاجتماعية، إذ أصبح إنشاء الجمعيات يعبر عن تعقد المجتمع وتغيره، و يستهدف تجاوز الاختلالات التي يطرحها هذا التعقد وهذا التغير، بالنسبة للمواطنين. أو بتعبير أوضح، لم يعد يمثل تأسيس الجمعيات ترفا بل ضرورة اجتماعية، تطمح إلى ملأ الفراغ الذي تتركه عادة  تدخلات الفاعلين العموميين أو نتيجة لمحدودية تلك التدخلات ،أمام الطلب المتزايد و الأزمة المتصاعدة. وهو ما تم الوعي به بشكل أساسي في المغرب ، بعد سياسة التقويم الهيكلي.

و بشكل عام فان قدرة المجتمع على النمو و على التطور و على الابتكار مرتبطة بصفة أساسية بقدرته على بناء أكثر ما يمكن من مجالات العمل المتخصصة و التي تكون قريبة من المواطنين و بعيدة عن تحكم الدولة. فكلما كثرت مجالات العمل غير الحكومية، كلما سار المجتمع في اتجاه التنمية والديمقراطية. إذ أن كثافة النسيج الجمعوي محدد أساسي اليوم لقدرة المجتمع على التطور و البناء الديمقراطي.

فالديمغرافيا الجمعوية بقدر ما تعكس اتجاهات تحول المجتمع،  تعبر عن حاجاته، أو على الأقل بعضا منها. ويظهر من خلال تنامي عدد الجمعيات ومن خلال تنوع مجالات الفعل (التنمية، حقوق الإنسان ،الاهتمام بالفئات المحرومة: المرأة، المعاقين، الأطفال في وضعية صعبة…) ،  أن هناك وعي لدى الفاعلين الجمعويين بحاجة المجتمع إلى التنمية والديمقراطية..

وحسب المعطيات المقدمة من طرف المندوبية السامية للتخطيط ، في بحثها الوطني حول المؤسسات التي لا تستهدف الربح، المنجز سنة 2007، فإن عدد الجمعيات في المغرب بلغ 44.771 جمعية، في حين سينتقل هذا العدد سنة 2015 إلى 130.000 جمعية [11]، ليصير حاليا أكثر من 200.000 جمعية. وإذا كنا لا نعرف عدد الجمعيات التي توقف أنشطتها[12]…، فيمكن بالمقابل معرفة بالتقريب عدد الجمعيات التي تحدث كل سنة، فحسب دراسة أعدتها وزارة الداخلية حول النسيج الجمعوي، ونشرت نتائجها على اعمدة الصحافة الوطنية سنة 2014،  فقد بلغت وتيرة تأسيس الجمعيات أوجها في سنة 2009 بتسجيل ما يقرب من 14.000 جمعية محدثة، ثم في سنة 2013 تأسست حوالي 12.000 جمعية جديدة. غير أن الرقم سجل تراجعا  ملحوظا سنة 2014، حيث لم يتجاوز العدد 5.300 جمعية جديدة…

عرفت الديموغرافيا الجمعوية ببلادنا تزايدا كبيرا  منذ بداية التسعينيات وتنوعا على مستوى مجالات اهتمامها، وان كان الغالب عليها هو الاهتمام بمشاريع التنمية، والميل إلى تبني الغايات والأهداف التي تحظى أكثر بالتمويل. كما يلاحظ بأن هناك توزيعا غير متكافيء للديمغرافيا الجمعوية على مستوى التراب الوطني. فطوال عقود ظلت الظاهرة الجمعوية حضرية بامتياز ، بل كانت  أغلب الجمعيات متمركزة في محور الرباط- البيضاء. لكن سرعان ما شهدت الديموغرافيا الجمعوية تغيرا على مستوى توزيعها الجغرافي، حيث لم تعد متمركزة في المدن الكبرى ، وان كان ما يزال اللاتكافؤ في التوزيع بين المدن الكبرى والصغرى، وبين المدينة والقرية هو الغالب. بل يمكن القول إنه لزمن طويل كان هناك تناسب بين قلة فرص بعض المناطق في التنمية ،  كما هو الحال في منطقة مثل منطقة الجنوب الشرقي(جهة درعة تافيلالت حاليا) ، وفرص وجود جمعيات بها، في حين أن المنطق كان يفترض العكس.

وهكذا، فمع بداية  عقد التسعينيات من القرن الماضي،  لم تعد الظاهرة الجمعوية ظاهرة حضرية بإطلاق، إذ أخذ العمل الجمعوي يستقطب ويستهوي فئات جديدة من المغاربة في القرى النائية ، في الجبال والصحاري، وفي كل مناطق المغرب[13].فحركية الحقل الجمعوي لم تعد حكرا على الحواضر، التي تميزت بتقليد جمعوي عريق يعود إلى الفترة الاستعمارية ، بل بدأ يشمل القرى كذلك. ونشير إلى أن هذه الظاهرة، بدأت تسترعي انتباه بعض الباحثين المغاربة.

وفي هذا الصدد، أشارت عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في  الكتابات التي خصصتها لبعض التجارب الجمعوية  بالمغرب، خصوصا في الأطلس الكبير و في أقصى الجنوب الشرقي، إلى الحركية الجمعوية المستجدة في العالم القروي، وإلى مغرب آخر يتحرك،  المغرب المدني والمواطن، الذي هو في طور الانبثاق في الجبال والمناطق الصحراوية، وفي جنوب المغرب وفي مناطق كثيرة من المغرب العميق ، بفضل التضامن والتدبير التشاركي[14].

وتظهر هذه الحركية الجمعوية، بشكل جلي من خلال “الانفجار  الديموغرافي  الجمعوي”، الذي بدأ مع بداية عقد التسعينيات، وربما قبله بسنوات، وما يزال متواصلا إلى حد الآن، حيث تضاعف عدد الجمعيات بالمغرب بعدة مرات في الفترة الممتدة من بداية التسعينيات حيث كان عدد الجمعيات بالكاد يتجاوز 5000 جمعية إلى وقتنا الراهن، حيث تجاوز عدد الجمعيات 200.000 جمعية ،  وما يزال  العدد يواصل ارتفاعه بوتيرة متسارعة. وأخذا بعين الاعتبار التغيرات التي شهدها الإطار القانوني والمؤسساتي، الذي يحكم عمل الجمعيات، والدينامية التي يشهدها المجتمع المغربي  عموما، يمكن أن نقول أن “الانفجار الديموغرافي” للجمعيات مرشح للاستمرار في المستقبل…

في الحاجة إلى ديموغرافيا جمعوية  تواكب تعقد المجتمع المغربي وتغيره

وعلى عكس ما يكشف عنه الحس المشترك بخصوص تضخم عدد الجمعيات بالمغرب، خصوصا بعد انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فالواقع أن عدد الجمعيات ببلادنا قياسا إلى عدد السكان، ما يزال بعيدا عن المعدلات الدولية في هذا الشأن. فإذا كان متوسط عدد الجمعيات لكل 100.000 نسمة قد بلغ سنة 2007  حوالي 145 جمعية، فإن هذا الرقم أدنى بكثير من نظيره في فرنسا الذي بلغ 1749 في سنة 2005 أو في كندا الذي بلغ 508  سنة 2003. …

ومن باب المقارنة دائما فإن عدد الجمعيات في فرنسا في سنة 2008 ، تراوح ما بين 1.1 و 1.3 مليون جمعية، بزيادة تقارب 70.000 جمعية محدثة سنويا. الأمر الذي يعني أن عدد الجمعيات في فرنسا قياسا إلى عدد السكان، تراوح في هذه السنة ما بين 1709 و2020 جمعية لكل 100.000   نسمة [15].

ولعل من أسباب نجاح الحركة الجمعوية في عدد كبير من المناطق القروية الأكثر حرمانا  في المغرب، نجد الروح المدنية للنخبة المحلية المهاجرة في المدن الأخرى داخل المغرب أو في بلدان المهجر ، والتي تعود إلى قراها الأصلية، لتقدم تجربتها  للساكنة، وتساهم بالتالي في تطوير العمل الجمعوي بهذه المناطق[16]. وعلى العموم فالتغيرات التي طالت الديموغرافيا الجمعوية ليست مسألة اعتباطية، بل هي مؤشرات مهمة على ما يحدث  في المجتمع. وهكذا فالحيوية الكبيرة، التي ميزت الحقل الجمعوي ببلادنا، في عقدي التسعينيات والعقد الاول من الألفية الثالثة، والتزايد الكبير والمضطرد لعدد الجمعيات، هما تعبير عن توسع مجال المشاركة الاجتماعية، إذ أصبح إنشاء الجمعيات يعبر عن تعقد المجتمع وتغيره، و يستهدف تجاوز الاختلالات التي يطرحها هذا التعقد وهذا التغير بالنسبة للمواطنين. أو بعبارة أوضح،  يمثل تأسيس الجمعيات حاجة اجتماعية، تطمح إلى ملء الفراغ الذي تتركه عادة  تدخلات الفاعلين العموميين أو نتيجة لمحدودية تلك التدخلات ،أمام الطلب المتزايد و الأزمة المتصاعدة، بفعل ما تمخض عن اعتماد سياسة التقويم الهيكلي، وتراجع المؤسسات التقليدية عن أداء أدوارها، وعدم قدرة الدولة على التكفل بحل جميع المشاكل الاجتماعية التي تميز مجتمعا في تحول كامل.

وفي هذا الإطار تشكل الجمعيات ، أحد البدائل الايجابية الممكنة لمآل التغير الاجتماعي ببلادنا، في ظل استشراء واقع الإقصاء، والهشاشة والفقر. وفي غياب هذا البديل الايجابي، يكون المجتمع في مواجهة اختيارات  أو ملاجئ أخيرة، لها نتائج سلبية، ليس على الفرد فقط، وإنما على المجتمع  في كليته، لعل من أبرزها الاضطرابات الاجتماعية و  الهجرة السرية، والتطرف الديني، والتهريب، والمتاجرة في المخدرات، والعنف الحضري…الخ.

 

[1]  من خلال السعي إلى فتح حوار مع جمعيات المجتمع المدني، للتداول حول الإطار المرجعي الخاص بالجمعيات، في أفق تعزيز البيئة  القانونية والمؤسساتية المنظمة للجمعيات، من خلال إعداد قانون للتشاور العمومي، و هيكلة مركز للاتصال خاص بالجمعيات…

 

[2] Alain Girard() ,  démographie , in  Encyclopædia Universalis, 1996, pp161-166.

[3]  القانون رقم 00-75 بخصوص الجمعيات الصادر الأمر بتنفيذه بموجب الظهير رقم 206-02-1 بتاريخ 5 يوليوز 2002 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5046 بتاريخ 10 اكتوبر 2002.

مع الأخذ بعين الاعتبار ظهير شريف رقم 1.09.39  الصادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009) بتنفيذ القانون رقم 07.09 الرامي إلى تعديل الفصل 5 من الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378  (15 نونبر 1958) بتنظيم حق تأسيس الجمعيات كما تم تغييره وتتميمه.

 

[4]  منشورات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وضع ودينامية الحياة الجمعوية، تقرير في إطار إحالة ذاتية – رقم 28- 2016. أنظر:www.cese.ma

[5]   أنظر حيز “الإحصاءات والبحوث” بالموقع الالكتروني للمندوبية السامية للتخطيط :www.hcp.gov.ma   (آخر زيارة بتاريخ 15/1/2022)

[6] Publication des Nations Unies, Comment mettre en œuvre le Manuel sur les Institutions Sans But Lucratif dans le Système des Comptes Nationaux, 2006. in Site de L’Université Johns Hopkins :www.jhu.edu/ccss

 

[7]  أنظر :

Claude Rochet,  Managez vos associations , Préface de Kléber Beauvillain Paris : CALMANN-LÉVY, Éditeur , 1992 , p18.

[8] Mertens Sybille , clarification conceptuelle : vers un consensus sur l usage des termes ?  , in Ouvrage collectif « Economie sociale » éd de Boeck université,  Bruxelles  ,2001 , p40.

[9] Laville Jean-Louis et Sainsaulieu Renaud et autres, «  sociologie de l’association :de l’organisation  à l’épreuve du changement social », éditions Desclée Brouwer-collection « sociologie économique ».Paris, 1997  , pp35-36.

 

[10] Tocqueville, de la démocratie en Amérique , T 1 ,éd GF Flammarion –Paris – 1981, p138

[11]  قدم هذا الرقم خلال جلسة الانصات مع الأمانة العامة للحكومة.

[12]  منشورات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وضع ودينامية الحياة الجمعوية، تقرير في إطار إحالة ذاتية – رقم 28- 2016. أنظر:www.cese.ma

[13] Fatema Mernissi «  ONG rurales du Haut-Atlas : les Ait- débrouille » éd Marsam- Rabat- 2003,p3.

 

[14]  Fatema Mernissi «  ONG rurales du Haut-Atlas : les Ait- débrouille » éd Marsam- Rabat- 2003.

Fatima Mernissi, Les Sindbads marocains : voyage dans le Maroc civique, Editions Marsam, 2004.

 

[15] CESE français, communication. Pour un statut de l’Association Européenne, 2008

[16] Zakya Daoud, Marocains des deux Rives, éd de l’Atelier/éd Ouvrières, Paris, 1997.

 

تابعونا على فــيــســبــوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى